أبي نعيم الأصبهاني
249
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء
فادفع إليه هذه المائة الدينار . فانطلق الحارث فإذا هو بعمير جالس يفلى قميصه إلى جانب الحائط ، فسلم عليه الرجل فقال له عمير : انزل رحمك اللّه ، فنزل ثم سأله فقال من أين جئت ؟ قال من المدينة . قال فكيف تركت أمير المؤمنين قال صالحا . قال فكيف تركت المسلمين ؟ قال صالحين . قال أليس يقيم الحدود قال بلى ! ضرب ابنا له أتى فاحشة فمات من ضربه . فقال عمير . اللهم أعن عمر فإني لا أعلمه إلا شديدا حبه لك قال فنزل به ثلاثة أيام وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصونه بها ويطوون ، حتى أتاهم الجهد ، فقال له عمير : إنك قد أجعتنا ، فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل . قال : فأخرج الدنانير فدفعها إليه فقال بعث بها إليك أمير المؤمنين فاستعن بها . قال : فصاح وقال لا حاجة لي فيها ردها . فقالت له امرأته : إن احتجت إليها وإلا فضعها مواضعها . فقال عمير : واللّه ما لي شيء أجعلها فيه . فشقت امرأته أسفل درعها فأعطته خرقة فجعلها فيها ، ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء ، ثم رجع والرسول يظن أنه يعطيه منها شيئا . فقال له عمير : اقرأ منى أمير المؤمنين السلام . فرجع الحارث إلى عمر فقال ما رأيت ؟ قال رأيت يا أمير المؤمنين حالا شديدا ، قال فما صنع بالدنانير ؟ قال لا أدرى . قال فكتب إليه عمر إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى نقبل . فأقبل إلى عمر رضى اللّه تعالى عنه فدخل عليه ؛ فقال له عمر ما صنعت بالدنانير ؟ قال صنعت ما صنعت وما سؤالك عنها . قال : أنشد عليك لتخبرني ما صنعت بها ، قال قدمتها لنفسي ، قال رحمك اللّه ، فأمر له بوسق من طعام وثوبين ، فقال أما الطعام فلا حاجة لي فيه قد تركت في المنزل صاعين من شعير إلى أن آكل ذلك قد جاء اللّه تعالى بالرزق ، ولم يأخذ الطعام ، وأما الثوبان فقال إن أم فلان عارية فأخذهما ورجع إلى منزله . فلم يلبث أن هلك رحمه اللّه ، فبلغ عمر ذلك فشق عليه وترحم عليه ، فخرج يمشى ومعه المشاءون إلى بقيع الغرقد ، فقال لأصحابه ليتمن كل رجل منكم أمنية فقال رجل : وددت يا أمير المؤمنين أن عندي مالا فأعتق لوجه اللّه عز وجل كذا وكذا ، وقال آخر : وددت يا أمير المؤمنين أن عندي مالا فأنفق